محمد بن جرير الطبري
37
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في قراءة قوله : حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز سوى أبي جعفر القارئ وعامة قراء العراق سوى أبي عمرو : يُصْدِرَ الرِّعاءُ بضم الياء ، وقرأ ذلك أبو جعفر وأبو عمرو بفتح الياء من يصدر الرعاء عن الحوض . وأما الآخرون فإنهم ضموا الياء ، بمعنى : أصدر الرعاء مواشيهم ، وهما عندي قراءتان متقاربتا المعنى ، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله : وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ يقولان : لا يستطيع من الكبر والضعف أن يسقى ماشيته . وقوله : فَسَقى لَهُما ذكر أنه عليه السلام فتح لهما عن رأس بئر كان عليها حجر لا يطيق رفعه إلا جماعة من الناس ، ثم استسقى فسقي لهما ماشيتهما منه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : فتح لهما عن بئر حجرا على فيها ، فسقى لهما منها . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج بنحوه ، وزاد فيه : قال ابن جريج : حجرا كان لا يطيقه إلا عشرة رهط . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن الحجاج ، عن الحكم ، عن شريح ، قال : انتهى إلى حجر لا يرفعه إلا عشرة رجال ، فرفعه وحده . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : رحمهما موسى حين قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ فأتى إلى البئر فاقتلع صخرة على البئر كان النفر من أهل مدين يجتمعون عليها ، حتى يرفعوها ، فسقى لهما موسى دلوا فأروتا غنمهما ، فرجعتا سريعا ، وكانتا إنما تسقيان من فضول الحياض . حدثني العباس ، قال : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا الأصبغ ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا سعيد بن جبير ، عن ابن عباس فَسَقى لَهُما فجعل يغرف في الدلو ماء كثيرا حتى كانت أول الرعاء ريا ، فانصرفتا إلى أبيهما بغنمهما . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، وقال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : تصدق عليهما نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فسقى لهما ، فلم يلبث أن أروى غنمهما . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : أخذ دلوهما موسى ، ثم تقدم إلى السقاء بفضل قوته ، فزاحم القوم على الماء حتى أخرهم عنه ، ثم سقى لهما . القول في تأويل قوله تعالى : فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ . . . إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ يقول تعالى ذكره : فسقى موسى للمرأتين ماشيتهما ، ثم تولى إلى ظل شجرة ذكر أنها سمرة . ذكر من قال ذلك : حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ثُمَّ تَوَلَّى موسى إلى ظل شجرة سمرة ، فقال : رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ . حدثني العباس ، قال : ثنا يزيد ، قال : أخبرنا الأصبغ ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثني سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : انصرف موسى إلى شجرة ، فاستظل بظلها ، فَقالَ : رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ . حدثني الحسين بن عمرو العنقزي ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الله ، قال : حثثت على جمل لي ليلتين حتى صبحت مدين ، فسألت عن الشجرة التي أوى إليها موسى ، فإذا شجرة خضراء ترف ، فأهوى إليها جملي وكان جائعا ، فأخذها جملي ، فعالجها ساعة ، ثم لفظها ، فدعوت الله لموسى عليه السلام ، ثم انصرفت . وقوله : فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ محتاج . وذكر أن نبي الله موسى عليه السلام قال هذا القول ، وهو بجهد شديد ، وعرض ذلك للمرأتين تعريضا لهما ، لعلهما أن تطعماه مما به من شدة الجوع . وقيل : إن الخير الذي قال نبي الله إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ محتاج ، إنما عنى به : شبعة من طعام . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد ، عن ابن عباس ، قال : لما هرب موسى من فرعون أصابه جوع شديد ، حتى كانت ترى أمعاؤه